سهيلة عبد الباعث الترجمان
566
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
معرفته بالإنجيل وأسرار الديانة المسيحية وسرّ الكلمة المسيحية في الخلق التي هي حقيقة عيسى عليه السلام ، ولكن الجيلي لم ينس فضل القرآن على هذه الأديان فيقارنه بالكتب الأخرى واحتوائه لكل الأديان حيث أنه نسخ كل ما جاء قبله . وربما كان تعمقه في الإسلاميات أكثر خصوبة لسعة اطلاعه وكثرة مجاهداته ، وتزكية أنفاسه ، فهو يفرّق بين هذه الكتب جميعها وما تشتمل عليه من أسرار الذات الإلهية وأسمائها وصفاتها فيقول : " الزبور في الإشارة عبارة عن تجليات صفات الأفعال ، والتوراة عبارة عن تجليات جملة أسماء الصفات ، والإنجيل عبارة عن تجليات أسماء الذات فقط ، والفرقان عبارة عن تجليات جملة الصفات والأسماء مطلقا الذاتية والصفاتية ، والقرآن عبارة عن الذات المحض . . . " « 1 » . ولم يفته تصنيف البشر بمللهم ونحلهم والوقوف على أسرار مذاهبهم ودياناتهم ، فجعلهم على عشرة أقسام أو ملة ، ولكل ملّة نحلة خاصة وهي : الكفار والطبائعية ، والفلاسفة والثنوية ، والمجوس ، والدهرية والبراهمة واليهود والنصارى والمسلمون « 2 » ، وقد ألمّ بكل ملة وما لها من أسرار العبادات ، وما تعبّدت به الحق تعالى بمجلى من مجاليه ، وصورة من صور العبادات فيقول : وأما الفلاسفة فإنهم عبدوه من حيث أسماؤه سبحانه وتعالى لأن النجوم مظاهر أسمائه وهو تعالى حقيقتها بذاته ، فالشمس مظهر اسم اللّه لأنه الممدّ بنوره جميع الكواكب ، كما أن الاسم اللّه تستمد جميع الأسماء حقائقها منه ، والقمر مظهر اسم الرحمن . . . وأما المريخ فمظهره القدرة لأنه النجم المختص بالأفعال القهارية " « 3 » . وقد اطلع الجيلي على الفلسفة اليونانية ، ومن جملة ما اطلع عليه آراء أفلاطون الذي سماه بالإلهي وآراء أرسطو ، كذلك فيثاغورس الذي سماه بالحكيم الرباني لما في نظريته " في النفس وتكوينها العددي " التي تتفق في بعض جوانبها مع فكرة وحدة
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 85 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 85 وما بعدها . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 82 .